Thursday, 23 October 2014
A+ R A-

الحِكْمَة: حكمة أولياء الله رَضِىَ الله عَنهم - جزء 1

  • Category: عربي
  • Last Updated on Sunday, 01 September 2013 15:36
  • Written by Dr. Ali Ghazzawi
  • Hits: 4864

الحمد‏ لله العزيز الحكيم* والصلاة والسلام على نبيّه محمدٍ‏ الكريم‏* وعلى ءاله وصحبه‏ ذَوِى القلب السليم* وبعد عباد الله اتقوا الله.

قال الله تعالى: ﴿ يَــأيُّـهَا‎ الذّينَ‎ ءَامـَنـُوا‎ اتـَّـقـُوا‎ الله حَقَّ‎ تُقَاتِهِ‎ وَلاتمُوتُنَّ‎ إِلَّا وَأنْتُمْ‎ مُسْلِمُونَ‎ ‏﴾ (ءال عمران، ‏١٠٢).

ثم إن هناك سورةً فى القرءان (رقم ٣١) تسمى سورة لقمان. ولقمان رحمه الله كان نوبيًّا. عاش ألفَ سنة‏. واختُلف فى صَنعته‏. فقيل كان خياطا،‏ وقيل نجارا‏. قال ابن عباس وغيرُه‏: وكان رجلا حكيما بحكمة الله تعالى‏ ‎-‏ وهى الصواب فى المعتقدات والفقه فى الدين والعقل‏ ‎-‏ قاضيا فى بنى‏ إسرائيل،‏ أسودَ مشقّقَ الرجلين،‏ ذا مشافر‏ (عظيمَ الشفتين‏).[1]‏ وذكرَ ابنُ عطية فى تفسيره أنه رُوِىَ من حديث ابن عمر قال‎:‏ سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: ”لم‏ يكن لقمانُ نبيًّا‏. ولكن كان عبدًا كثيرَ التفكر حَسَنَ اليقين. أحبَّ اللهَ تعالى فأحبَّه‏. فَمَنَّ عليه بالحكمة‏. وخَيَّرَه فى أن‏ يجعله خليفة‏ً يحكم بالحق. فقال: ربّ إن خيّرْتَنِى‏ قبلتُ‏ العافيةَ وتركتُ البلاءَ. وإن عزمتَ‏ علَىّ‏ فسمعًا وطاعةً،‏ فإنك ستعصِمُنى‏.“ وعلى هذا جمهورُ أهل التأويل أنه كان وليًّا ولم‏ يكن نبيًّا‏.

Listen to the Friday Speech in English: Hikmah of Luqman - Part 1

وأدركه داودُ عليه الصلاة والسلام وأخذ عنه العلمَ،‏ وكان‏ يُفتِى قبل مبعث داود‏. وقد أخرج الطبرىُّ وغيرُه عن مجاهد أنه كان قاضيا على بنى إسرائيل زمنَ داودَ عليه السلام‏. فلما بُعِثَ داودُ قَطَعَ الفتوَى، فقيل له‏. فقال‎:‏ ألا أَكتفِى إذْ‏ كُفِيتُ! وكان لقمانُ‏ يوازر داودَ بحكمته‏. وفى‏ "المستدرك‏" بإسناد صحيح عن أنس قال‎:‏ كان لقمانُ عند داود وهو‏ يسرُد الدرعَ. فجعل لقمان‏ يتعجب ويريد أن‏ يسألَه عن فائدته فتمنعَه حكمتُه أن‏ يسأل‏. وهذا صريح فى أنه عاصر داودَ عليه السلام‏.[2]

وإن حِكَمَ لقمان كثيرةٌ مأثورة‏. قال وهب بن منبّـِه‎:‏ قرأتُ من حكمة لقمان أرجحَ من عشرة ءالاف باب‏:

- قال له شخص‏: اذبح لى شاةً وائتنى بأطيبِها مُضغَتين. فأتاه باللسان والقلب‏. فقال له‎:‏ ما كان فيها شىء أطيبَ من هذين؟ فسكت‏. ثم أمره بذبح شاة أخرى ثم قال له‎:‏ ألقِ أخبَثَها مضغتين‏. فألقى اللسانَ والقلبَ‏. فقال له‎:‏ أمرتُكَ أن تأتيَنى‏ بأطيبِ مضغتين فأتيتَنى‏ باللسان والقلب،‏ وأمرتُكَ أن تلقىَ أخبثَها فألقيتَ اللسانَ والقلبَ؟‏! فقال لقمان‎:‏ إنه ليس شىء أطيبَ‏ منهما إذا طابا،‏ ولا أخبثَ‏ منهما إذا خَبُثَا. [وهذا مثلُ قولِه‏ صلى الله عليه وسلم: ”ألا وإن فى الجسد مضغةً إذا صلَحَتْ صلَح الجسدُ كلُّه وإذا فسدَت فسدَ الجسدُ كلُّه ألا وهى القلب.“ ومثلُ قولِه صلى الله عليه وسلم: ”مَن وقاهُ اللهُ شَرَّ اثنتين وَلَجَ الجنةَ‎:‏ ما بين لَحيَيه ورِجليه.“]

- وقيل له‎:‏ أىُّ‏ الناس شرٌّ؟ قال‎:‏ الذى لا‏ يبالى إن رءاه الناسُ مسيئا‏. [قال‏ صلى الله عليه وسلم:‏ ”كلُّ أُمَّتِى‏ مُعافًى إلا المجاهرون‏. وإن من المجاهرة أن‏ يعمل الرجلُ بالليل عملا ثم‏ يصبحَ وقد ستره اللهُ فيقول:‏ يا فلانُ عملتُ البارحة كذا وكذا وقد بات‏ يستره ربُّه ويصبح‏ُ يكشف سترَ الله عنه‏.“ رواه أبو هريرة وخرَّجه البخارىّ‏][3]

- قال لقمان لابنه‎:‏ يا بنىَّ لا‏ يكنِ الديكُ أكيسَ منك،‏ ينادِى‏ بالأسحار وأنت نائم‏!

- قال لقمان لابنه‎:‏ الرياءُ أن تطلبَ ثوابَ عملك فى دار الدنيا،‏ وإنما عملُ القوم للآخرة‏. قيل له‎:‏ فما دواءُ الرياء؟ قال: كتمانُ العمل،‏ قيل له‎:‏ فكيف‏ يُكتَم العملُ ؟ قال‎:‏ ما كُلّـِفتَ إظهارَه من العمل فلا تدخلُ فيه إلا بالإخلاص،‏ وما لم تكلَّف إظهارَه أَحِبَّ ألَّا‏ يطّلعَ عليه إلا الله‏. قال‎:‏ وكلُّ عملٍ اطَّلَعَ عليه الخلقُ فلا تَعُدَّهُ من العمل‏.

- وقال لقمان لابنه‎:‏ يا بنىّ‏َ لا تأكل شِبَعًا فوق شِبَعٍ،‏ فإنك إن تنبِذْه للكلب خيرٌ من أن تأكلَه‏.[4]

- قال لقمان لابنه‎:‏ يا بنىّ‏ إياكَ وكثرةَ الضحك فإنه‏ يميتُ القلبَ‏. وقد رُوىَ مرفوعا من حديث أبى ذَرّ وغيره‏.[5]

أقول قولى هذا وأستغفر اللهَ‏ لى ولكم‏.

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعدُ عبادَ الله اتقوا الله.

قال الله تعالى‏: ﴿وَلَقَدْ‏ ءاتَيْنَا لُقْمَانَ‏ الْحِكْمَةَ‏ أَنِ‏ اشْكُرْ‏ لله وَمَن‏ يَشْكُرْ‏ فَإنَّمَا‏ يَشْكُرُ‏ لِنَفْسِهِ‏ وَمَن كَفَرَ‏ فَإنَّ‏ ا‏لله غَنِىٌّ‏ حَمِيدٌ‏﴾ (لقمان ‏١٢). وقد روى سعيد بن أبى عروبة عن قتادة فى قوله تعالى‎:‏ ﴿وَلَقَدْ‏ ءاتَيْنَا لُقْمَانَ‏ الْحِكْمَةَ‏﴾ قال: التفقه فى الدين ولم‏ يكن نبيًّا‏. والمعنى ولقد ءاتينا لقمانَ الحكمةَ بأن اشكر لله تعالى فشكَر؛ فكان حكيمًا بشكره لنا بطاعته فيما أُمِر به‏. ومَن‏ يُطعِ اللهَ تعالى فإنما‏ يعمَل لنفسه؛ لأن نفعَ الثواب عائدٌ إليه‏. ومن كفَر النّـِعمَ فلم‏ يُوَحّـِدِ اللهَ فإن الله‏َ غنىٌّ‏ عن عبادة خلقه محمودٌ عند الخلق‏.

فى الخطبة القادمة نتكلم إن شاء الله عن وعظ لقمان لابنه.

اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات‏.

خطبة الجمعة فيلادلفيا ٩ شوَّال ١٤٣٤ هـ * ١٦ ءاب ٢٠١٣ ر



[1]‏ قال لرجل‏ ينظر إليه‎:‏ إن كنت ترانى‏ غليظَ الشفتين فإنه‏ يَخرج من بينهما كلامٌ رقيق‏. وإن كنت ترانى‏ أسودَ فقلبى‏ أبيضُ‏.

[2] ورُوىَ أنه دخل على داود عليه السلام وهو‏ يسرد الدروعَ،‏ وقد ليَّن اللهُ له الحديدَ كالطين‏. فأراد أن‏ يسأل،‏ فأدركته الحكمة فسكت‏. فلما أتمها لبسها وقال‎:‏ نعم لبوسُ‏ الحرب أنتِ‏. فقال‎:‏ الصمت حكمة،‏ وقليلٌ فاعلُه‏. فقال له داود‎:‏ بحقّ ما سُمّـِيتَ حكيما‏. يقال: إن كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب‏. Speech is Silver, but Silence is Gold

[3] قال النووىّ فى الأذكار: فصل: يكره للانسان إذا ابتلِىَ بمعصية أو نحوها أن يخبر غيره بذلك، بل ينبغى أن يتوبَ إلى الله تعالى فيقلعَ عنها فى الحال، ويندمَ على ما فعل، ويعزم أن لا يعود إلى مثلها أبدا. فهذه الثلاثة هى أركان التوبة لا تصح إلا باجتماعها. فإن أخبر بمعصيته شيخَه أو شبهَه ممن يرجو بإخباره أن يعلّمه مخرجًا من معصيته، أو ليعلّمَه ما يَسلَم به من الوقوع فى مثلها، أو يعرّفَه السببَ الذى أوقعه فيها، أو يدعوَ له، أو نحوَ ذلك، فلا بأس به، بل هو حسن. وإنما يُكره إذا انتفت هذه المصلحةُ. وقال: مَن جاهر بفسقه أو بدعته جاز ذكرُه بما جاهَرَ به دون ما لم يُجاهِرْ به.

[4] عن المقدام بن مَعدِى كَرِب قال سمعت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول : ”ما ملأ ابن ءادم وعاءً شرًّا من بطن. بحسب ابن ءادم لقيماتٌ يُقِمْنَ صُلبَه. فإن كان لا محالةَ فثلثٌ لطعامه وثلثٌ لشرابه وثلثٌ لنَفَسِه.“ (رواه الإمام أحمد والترمذى والنسائى وابن ماجه وقال الترمذىّ حديث حسن). وقال الحارث بن كَلَدَةَ (طبيب العرب): الحِمْيَةُ رأسُ الدواءِ والبِطنَةُ رأسُ الداءِ. والذى قتل البَرَِيَّةَ وأهلَكَ السباعَ فى البَرَِيَّة إدخالُ الطعام على الطعام قبل الانهضام.

[5] عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: مَنْ يَأْخُذُ مِنْ أُمَّتِى خَمْسَ خِصَالٍ فَيَعْمَلُ بِهِنَّ أَوْ يُعَلّـِمُهُنَّ مَنْ يَعْمَلُ بِهِنَّ؟ قَالَ: قُلْتُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: فَأَخَذَ بِيَدِى فَعَدَّهُنَّ فِيهَا، ثُمَّ قَالَ: اتَّقِ الْمَحَارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ، وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ تَكُنْ مُؤْمِنًا، وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ تَكُنْ مُسْلِمًا، وَلاَ تُكْثِرِ الضَّحِكَ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ. أخرجه أحمد والترمذىّ وقال غريب، والبيهقىّ فى شعب الإيمان.

Search AICP

Listen to the Qur'an

القرءان الكريم

Donate to AICP

Donate using PayPal
Amount:
Note:
Note:

Site Disclaimers

Donations

AICP is charged a minimal fee for your donation. Fee Structure for donations are: $0 to $100K is 2.2% plus $0.30 per transaction.


Read More...

Dynamic Site

It is our habit at AICP to review all posted articles and incorporate all corrections brought to our attention, thus we highly recommend that you always update the information that...


Read More...

Printing

If you decide to print any document from our site, please do not dispose of it in the trash as it contains religious material.


Read More...

Social Networking

AICP is not responsible for the content of any Social Networking site that we point to, as we don't have any control over individual opinions.


Read More...